صلاح رشاد .. يكتب: طاهر يفسد خطة هروب الأمين

من يقرأ سيرة محمد الأمين يجد أنه كان عدو نفسه بامتياز، فقد خرج بمحض إرادته من السعة إلي الضيق ومن السعادة إلي الشقاء، ومن النفوذ والجاه والسلطان إلي المكابدة والمعاناة والحرمان.
كان خليفة على إمبراطورية إسلامية شاس
عة ويدين له الولاة في المشارق والمغارب، ويقدم له أخوه عبد الله المأمون فروض الطاعة والولاء، لكنه اختار الغدر والنكث بالعهود، فأصبح مطلوبا بعد أن كان طالبا، ومنبوذا محاصرا مطاردا بعد أن كان ملكا متوجا.
(وماربك بظلام للعبيد).
لم تكن بغداد قادرة علي تحمل تبعات الحصار الذي استمر قرابة 14 شهرا وسردنا في الحلقات الماضية معاناة الناس، وكيف تحولت بغداد إلي خراب ودمار بعد أن كانت زينة الناظرين وبهجة الزائرين.
انفض كبراء الجند والقادة عن الأمين خوفا علي حياتهم وطمعا في نيل رضا طاهر بن الحسين سيف المأمون الذي هدم به دولة الأمين.
ولم يبق من القادة مع الأمين سوي رجلين هما حاتم بن الصقر ومحمد بن إبراهيم بن الأغلب صاحب دولة الأغالبة في افريقيا، ودخلا عليه ليشيرا عليه برأي سديد قد ينفعه في هذه الظروف العصيبة التي أصبح فيها كالأسير في القفص، أو كالفريسة في مرمي سهام الصياد.
وقد رصدنا المشاهد الأخيرة من حياة الأمين من كتاب “تجارب الأمم وتعاقب الهمم” لاحمد بن يعقوب مسكويه.
قال حاتم بن الصقر ومحمد بن الأغلب للأمين: قد آلت حالك وحالنا إلى ما ترى، وقد رأينا رأيا نعرضه عليك، فانظر فيه واعتزم عليه، فإنّا نرجو أن يكون صوابا، إن شاء الله.
قال: وما هو؟ قالا: قد تفرّق جندك عنك وأحاط عدوّك بك من كلّ جانب، وقد بقي من خيلك سبعة آلاف فرس من خيارها وجيادها سوى مراكبك، فنرى أن تختار ممّن عرفناه بمحبّتك من الأبناء (يقصدون أبناء الشيعة العباسية) سبعة آلاف رجل، فتحملهم على هذه الخيل وتخرج ليلا على باب من هذه الأبواب، فإنّ الليل لأهله، (يقصدان أن ظلمة الليل ساتر لمن يريد الهروب والنجاة)، فنخرج ولن يثبت لنا أحد وتسير حتّى تلحق بالشام والجزيرة فنفرض الفروض ونجبى الخراج وتصير فى مملكة واسعة وملك جديد، فيسارع إليك الناس من كلّ مكان وينقطع الجنود فى طلبك مع قد يحدث الله من أمور فى مكر الليل والنهار.
طبعا قول صائب ورأي سديد.
فماذا كان رد الأمين ؟
قال لهما: نعمّا رأيتما واعتزم على ذلك
وكان ذلك أيضا رأي كثير من أصحاب الأمين وجنده .
لكن _وآه دائما من لكن _عرف جواسيس وعيون طاهر بالخبر فأعلموا طاهرا بما حدث.
فهل يترك طاهر فريسته تفلت من بين يديه بعد كل هذه الحروب التي خاضها؟.. كان هذا من المستحيل بالطبع.
فكتب إلى سليمان بن أبى جعفر وإلى محمد بن عيسى بن نهيك والى السندي بن شاهك وكانوا من المقربين للأمين:
قد بلغني عزيمة محمد الأمين علي الهرب، والله لئن لم تردّوه عن هذا الرأى لا تركت لكم ضيعة إلّا قبضتها، ثمّ لا تكون لى همّة إلّا نفوسكم، فإنّ هؤلاء الذين يسيرون معه صعاليك لا يتركون شيئا وراءهم يشفقون عليه، فاعملوا على ما خططت له تسلموا، إن شاء الله.
(هدد طاهر هؤلاء القادة بأنه سيقبض ضياعهم ويصادر أموالهم وسيجعل همتهم مجرد النجاة بحياتهم فقط، إذا لم يردوا الأمين عن هذا الرأي الذي قد يعيد الأحداث الي نقطة الصفر لأن نجاح الأمين في الهروب إلي الشام وجمع الرجال والفرسان حوله من جديد يعني استمرار الحروب التي لا أحد يعلم في النهاية لمن ستكون الغلبة فيها، فدخل هؤلاء الثلاثة على الأمين وقالوا:
نذكّرك الله فى نفسك فإنّ هؤلاء صعاليك، وقد ضاق عليهم الحصار وهم يرون أن لا أمان لهم على أنفسهم وأموالهم عند أخيك المأمون وعند طاهر، لما قد انتشر عنهم من مباشرة الحرب والجدّ فيها، ولسنا نأمن إذا برزوا وحصلت فى أيديهم أن يأخذوك أسيرا، أو يأخذوا رأسك فيتقرّبوا بك إلي عدوك ويجعلوك سبب أمانهم، وضربوا له فى ذلك الأمثال حتّى فزع وغيّر عزمه ورأيه.
وكان أصحابه الذين أشاروا بما أشاروا أولا جلوسا فى رواق البيت، فسمعوا جميع ما قاله سليمان وأصحابه، فهمّوا جميعا بقتل سليمان وأصحابه، ثمّ قالوا:
حرب من الخارج وحرب من الداخل. فأمسكوا.
ثمّ أشار عليه من أرسلهم طاهر قائلين:
قد بذل لك طاهر الأمان فاقبله، فإنّما غايتك اليوم السلامة واللهو، وليس يمنعك أخوك المأمون من ذلك وسينزلك حيث تحبّ ويفردك مع من تحبّ وتهوى، وليس عليك منه بأس ولا مكروه، فركن إلى ذلك وأجابهم إلى الخروج إلى هرثمة دون طاهر.
لماذا كان الأمين يحب هرثمة ويبغض طاهرا ؟
لأن هرثمة من القادة الذي خدموا في البلاط العباسي وكان مقربا من أبيه الرشيد وسيعمل حسابا للأمين وسيقدره حق قدره لأنه خليفة ومن أبناء الخلفاء.
أما طاهر فلم يعمل في البلاط العباسي قبل ذلك ولم تكن له صلة مباشرة بالرشيد وأولاده، إضافة إلي أن الأمين رأي رؤيا جعلته يزداد بغضا لطاهر وخوفا منه.
وكان جماعة من أصحاب الأمين يكرهون هرثمة، لأنّهم كانوا من رجاله ثم تركوه وقد عرفهم وعرفوه، وخافوا أن يجفوهم ولا يجعل لهم مراتب و منازل في جيشه،
فدخلوا على الأمين فقالوا:
أمّا إذ أبيت ما أشرنا به وهو الصواب (يعني الهروب إلي الشام وكان هو الصواب فعلا ) وقبلت رأى هؤلاء وهو الخطأ، فالخروج إلى طاهر خير لك من الخروج إلى هرثمة فقال لهم الأمين:
ويحكم إنّى أكره طاهرا وذلك أنّى رأيت فى منامي كأنّى قائم على حائط من آجر شاهق فى السماء عريض الأساس وثيق لم أر حائطا يشبهه فى الطول والعرض، وعلىّ سيفي وقلنسوتي وخفّى، وكان طاهر فى أصل ذلك الحائط، بيده حديد يضرب به أصل الحائط، فما زال يضرب أصله حتّى سقط الحائط وسقطت ووقعت قلنسوتي، وأنا لذلك أتشاءم منه وأكره الخروج إليه، وهرثمة مولانا (المولي تطلق علي السيد والعبد)، وبمنزلة الوالد وأنا به أشدّ ثقة.
فلمّا أراد الأمين الخروج إلى هرثمة وسعى له بذلك وأجابه هرثمة إلى ما أراد، اشتدّ ذلك على طاهر ورفض أن يرفّه عنه ويدعه يخرج.
لماذا رفض طاهر أن يخرج الأمين إلي هرثمة ؟
هل لأنه كان يضمر الشر له وينوي قتله أم ماذا ؟
نجيب في الحلقة المقبلة إن شاء الله






